بسم الله الرحمن الرحيم
{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}
منسأة سليمان
لفضيلة الشيخ “صلاح الدين” إبراهيم أبو عرفة
يبدأ البحث من عند سؤال مفروض؛ عن نبي يؤتيه الله من كل شيء, ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده, ويُسخّر له الريح, ويُسخّر له الجن والعفاريت, ومنطق الطير, وما علمنا وما لم نعلم؛ فيتوقع السامع من هذا النبي بهذه الإمكانات والمؤهلات والمعطيات, أن يفعل العجائب, وينتج ما لم نره ولم نسمع به!, حتى في زماننا هذا, ولا الذي يليه, فذلك مصداق أن يكون له ملك لا ينبغي لأحد من بعده!.
ثم نحن الآن -وفي أعلى أقدارنا التقنية والإنتاجية, وما يملكه الغرب كله- لم نبلغ أن نؤتى من كل شيء!. فكيف يستوي أن يكون من أوتي من كل شيء, وله ملك لا ينبغي لأحد من بعده, كيف يستوي له أن يكون متأخّرا عن من لم يؤت مثله ولا معشاره، كما يفرضه الظنّ الظاهر؟.
فما زال تصورنا وظنّنا يضع سليمان النبي على كل ما ملك, وراء قدْرنا “المتقدم العالي” بكثير, فلا يزيد سليمان عندنا على رجل ثريّ مترف, لم يبلغ مع ذلك ما نحن فيه من “التقدم” والرفاهة!.
ولا يتعدّ تفسير آيات سورة “سبأ” أفقاً سطحيا لا يتفق ولا ينسجم أبدا مع المعطيات التي قدمنا لها, ووقفنا عليها..
فماذا تقول التفاسير إذا وصلت إلى {يعملون له ما يشاء, من “محاريب” و”تماثيل” و”جفان كالجواب” و”قدور راسيات”}؟؟..
ليس هذا كله -وبعدما قدمنا من ملك الرجل العظيم- ليس هذا في التفاسير أبعد من معناه السطحي الظاهر, من محاريب الصلاة, وتماثيل لا يُعرف مأرب “النبي الصالح” فيها, ولا حاجته لبنائها, وجفان كالجواب, أي صحون كبيرة للأكل, وقدور ضخمة لطبخ الطعام!!.
فإذا كان الذي قدمناه من ملكه العظيم, وإمكاناته التي لم يًُر مثلها, أفيكون هذا هو جلّ ما يحسنه؟, أفلا يستطيع واحدنا أن يفعل هذا كله, دون تسخير لرياح, ولا تسخير لعفاريت, ولا نبوة ولا وحي, أن يفعل مثل هذا أو يزيد؟؟.
إذاً، فلننصف الرجل النبي, ولننصف القرآن العظيم, ولنتدبره حق تدبره!.
“منسأة” سليمان..
ما يطمح إليه العلم, ويسعى إليه العلماء!.
{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}. (14) سبأ
كما سبق واستدللنا بفهمنا نحن, وظننا, فيما خصّ المحاريب والتماثيل والجفان والقدور, وبالطريقة نفسها, من الاعتماد على نصوص القرآن نفسه, وعلى ما صحّ من حديث “المعصوم” عليه الصلاة والسلام, أو اجتمع عليه الأصحاب، عليهم الرضوان، وبما يحتمله لسان العرب, غير ملتزمين بما يخالف هذا كله, سواء ما كان من رأي الناس, غير المسند بالآية أو الحديث الصحيح, أو ما كان من “الإسرائيليات” الباطلة اتفاقاً.
بهذا كله, “نتدبر” ما وراء “منسأة” سليمان عليه السلام, وبذات ما قدمنا واعتمدنا عليه من سياق الحرب والمُلك لسورة سبأ, ولا بدّ للقارئ من التنبّه إلى اعتمادنا الشديد على دلالة السياق الشامل للسورة, كَرُكن أساس للبحث!.
فكان السياق القرآني للسورة, هو الذي يأبى ما ذهب إليه أشياخ المفسرين والمجتهدين, جزاهم الله خيراَ, فالسياق حربي مُلكي شديد, يأبى ذلك الحصر الفقير للمنسأة، التي جاءت على رأس ما ذكر من ملك سليمان, في مجرد عصا يتكئ عليها الرجال!.
بداية السؤال..
إذا كانت “المنسأة” هي العصا, فلم قال الله الحكيم “منسأته”, ولم يقل “عصاه”؟.
ظاهر الآية لا يتوافق مع شائع التفاسير..
فالتفاسير على أن “الأرضة” أكلت “العصا” حتى نخرتها, فانكسرت, فسقط سليمان أرضاً, فعلم من علم بموته بعدما خرّ!.
ولا حاجة للخوض في أكثر من هذا, من مدة لبثه متكئا على “عصاه”, سواء بقول من قال: شهرا, أو سنة, أو أربعين سنة. فليس عندنا من الله أو من رسوله في هذا شيء, واختلافهم دليل على أن لا نص عندهم من الله ورسوله, وإنما العلم ما قال الله وقال رسوله.
فظاهر الآية يشير بشكل جلي, أن من استدل على موته, ممن حضره, إنما استدل بما رآه من أن دابة الأرض “تأكل” منسأته, بالفعل المضارع, فهو استدل على الموت من الفعل الحاضر في الأكل, لا بعدما مضى الفعل وصار ما صار!.
فعندما رآى الدابّة “تأكل” المنسأة, علم أن سليمان قد مات, أي قبل أن يخرّ سليمان, وإنما أفاد الخرّ شيئا آخر يخص الجن, بأنهم لا يعلمون الغيب, {فلما خرّ تبيّنت الجن}, أما دلالة الموت فكانت حاصلة قبل الخرّ, بأن “الدابة” “تأكل” “المنسأة”!!.
إذاً في القصة شيء آخر غير ما يروى, فما هو؟.
فما “المنسأة” إذاً؟.
“المنسأة” على وزن مِفعلة, وهو الوزن الذي تستعمله العرب للدلالة على اسم الآلة, فتقول: مِجرفة, ومِكنسة, إذا قصدت آلة الجرف وآلة الكنس, فما “المنسأة”؟.
“المنسأة” اسم آلة للنّسأ, فما “النسأ”؟.
“النسأ” في القرآن “الزيادة” أو “التأخير” في “الزمن”, ومنه “ربا النسيء”, ومنه آيه سورة التوبة {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ} (37) سورة التوبة. وهو ما كانت تفعله العرب من “زيادة” الفترة و”تأخير” الشهر الحرام لحاجة عندهم, فهذا “التأخير” وهذه “الزيادة” هي النسأُ والنسيء.
فما علاقة “المنسأة” و”الأجل” إذا؟.
الملاحظ أن هذه الآية جاءت بعدما ذكر الله متعلق الزمن, “الشهر”, بريح سليمان في الآية التي تسبقها {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. (12) سورة سبأ. وسبق وأشرنا إلى علاقة “النسأ” والزمن المتعلق بـ”الشهر” الوارد في سورة التوبة.
ولن تجد من يماري بمثل هذه العلاقة, إذا علمت أن الآية التي تسبق آية “النسيء” في سورة التوبة مباشرة هي هذه الآية {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} (36) سورة التوبة. فهذا هو “الزمن” وهذا هو “النسأ” مرة أخرى!.
وكما أن العلاقة لازمة بين “الشهر” و”النسأ” في “التوبة”, فهي كذلك في “سبأ”.
ثم هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام, يقضي بيننا بالحق:
“صلة القربي مثراة في المال؛ محبة في الأهل؛
منسأة في الأجل“!.
فمن منا لا يرى استعمال النبي عليه الصلاة والسلام “للنسأ” حينما أراد الحديث عن “الأجل”؟!. و”الأجل” بلا ريب, هو ما يطلق على “الزمن المحسوب”, من.. إلى؟.
أما من استدل بشيء من الشعر على أنها العصا ووقف عندها, فلم يعدل, إذ لم يقل لنا لمَ لمْ يقل الله “عصاه”؟, والاستدلال بالحديث فوق الاستدلال بالشعر بلا خلاف.
ولا نقول بالضرورة إن المنسأة ليست عصا, فلا يمنع أن تكون على “هيئة” العصا, ولكن بحثنا ومرادنا عن مطلب “المنسأة” ودلالة الآلة منها، وما وراءها, وما كانت له!.
إذاً, فقد بات واضحاً, وبدليل حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي استدللنا به, أن الأمر متعلق بـ”الزمن” والأجل, وليس أدل من ظاهر الآية على هذا, إذ لم تكن “المنسأة” إلا للتدليل على “أجل” سليمان وموته!.
باختصار..
فالمنسأة بهذا, “آلة للزمن”, وقد تكون بهيئة العصا, كانت على رأس ملك سليمان, ملازمة له, متعلقة فيه, استدل من استدل على انقضاء “أجله” بذهاب “آلته الزمنية”, التي كان يملك بها سليمان مفتاح “الزمن الأرضي”,-وقِفْ عند “دابة الأرض” الواردة في الآية- فيزيد فيه ويأخّره بالقدر الذي يعينه على فعل أوامر الله الملك، وليس لشهوته وترفه كما يتخيّل البعض. تماما مثل ما يحلم العلماء التقنيّون اليوم, بالسيطرة على “الزمن”, سواء بتسريعه أو بإبطائه, ذلك الذي سبقهم إليه النبي “المؤتى من كل شيء”, وبما سخّر الله له, ليجعله آيته وحجته على زخرف الناس إلى منتهاها, أن القوة لله جميعاً.
وهذا ما قد يعيننا على فهم حديث النبي الصحيح عليه الصلاة والسلام, حين قال: “قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل تلد غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فنسي فطاف بهن، فلم تأت امرأة تلد منهن بولد إلا واحدة بشق غلام”.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ