بسم لله الرحمن الرحيم
سلسلة ما هو القرآن
المقال الثالث
تنبيه لازم:
هذا النصّ، هو نصّ مفرّغ من التسجيلات الصوتية لدروس الشيخ صلاح الدين إبراهيم أبو عرفة، نفعه الله ونفع به، وليس من كتابة قلمه وإملائه؛ فنرجو من كل ناقل أو ناسخ أن يحتفظ بهذا التنبيه!.
القرآن الكوثر
لفضيلة الشيخ "صلاح الدين" إبراهيم أبو عرفة
كيف سنقرأ سورة الكوثر؟؟!
سنتكلم عن سورة واحدة، سورة الكوثر وما أدراك، ستسمعون عنها بإذن الله ما نظن أننا سنحب هذا الكتاب أكثر ونعظمه أكثر وسنكبر الله أكثر…
إن هذا القرآن أولاً لا يقرأ قراءة سريعة وعابرة!!! كلا: قال الله الملك: (كتاب أنزلناه إليك ليدّبروا)، (وفي قراءة متواترة (لتدبّروا)، والتشديد في المبنى تشديد في المعنى، لوشاء الله قال (ليتدبروا) هكذا بدون تشديد ولكنه قال (ليدّبّروا) هكذا تشديداً، فكيف يكون تشديداً وأنت تقرأ القرآن هكذا مروراً سريعاً!!!
الكوثر أقل كلم القرآن
فالآن لنبدأ بما نريد الحديث عنه، عن سورة الكوثر، كلمة كلمة (إنا– أعطيناك– الكوثر– فصلّ– لربك– وانحر– إن– شانئك– هو– الأبتر)، هذه عشر كلمات، في ثلاث آيات، هذه أقصر سورة في القرآن وأقلها كلمات، واسمها سورة الكوثر، كما سماها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين، عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }، ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ.
فهذه سورة الكوثر أقل كلم القرآن عليها شرط، أن الله أعطى القليل فجعله كوثراً كثيراً حتى لا يرغب أحد منكم عن القرآن، فقليل القرآن كثير، فمن أحدث منكم بعد القليل الكوثر شيئاً اختلج عن حوض النبي، كما قال، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي.
ما معنى الكوثر؟؟!
نريد الآن أن نتدبرها كما أمر ربنا العظيم، السورة أولاً اسمها الكوثر ومدارها على الكوثر، فما الكوثر؟؟؟ فكما في الحديث السابق المذكور في صحيح مسلم عن الكوثر قال: عليه خير كثير، وجذر الكلمة من (كَ ث رَ)، فالكوثر أصله نهر لكنه على الكثير المتكاثر الذي لا ينقطع، فأصله نهر ماء، ولكن الكوثر للنبي نهرٌ وخيرٌ لا ينقطع.
فكأن الله الملك الذي في السماء يريد أن يقول: إن أقل كلامي عدداً كوثر كثيرلا ينقطع، فكيف يعدل المسلمون عما لا ينقطع، (وما كان عطاء ربك محظوراً)، (عطاء غير مجذوذ)، (إنا أعطيناك الكوثر).
فلم قال الله الملك (إنا أعطيناك) ولم يقل (آتيناك)؟
وكيف نعرف معنى كلمات الله؟
أولاً كيف نعرف العطاء؟ أنضرب بيت شعرٍ من الشعر الجاهلي حتى نعرف ما العطاء فيصير القرآن عظيما؟! أنضرب شعراً من قوم سكارى؟! بل لعلّ الشاعر الذي احتجوا به على ثابت القرآن كان ثملاً سكراناً حين قال شعره… فلا إله إلا الله كيف يحتج بكلام الثمل السكران على كتابٍ كوثر!!؟ فيقول قائل: قال امرؤ القيس فيصير القرآن حجة!!! هذا فجر وتبديل، القرآن يحتج به على العالمين ولايحتج على القرآن بشيء أبداً.
فكيف نعرف معنى (أعطيناك)!!! لنبحث في القرآن ماذا تكلم الملك لا إله إلا هو، أين استعمل (أعطيت) و أين استعمل (آتيت)؟؟ لأنه سبحانه يعلم ما يقول، (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).
قال الله الملك في سورة هود: ( فامّا الذين سَُعِدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض عطاءً غير مجذوذ)، انظر: (عطاءً غير مجذوذ) فلما يعطي الله عطاءً يكون أقرب إلى ألا يقطع، أي إذا أعطى الله كأنه لا يريد أن يقطع ما أعطى، وقال الذي لا إله إلا هو: (أفرأيت الذي تولّى وأعطى قليلاً وأكدى) أكدى بمعنى قطع، فالأصل أن إذا أعطيت ألا تقطع، فقال: (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع.
فأصل العطاء غير الإتيان أنه يفيض عليك به
وقال الله في سورة الإسراء: (كلا نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً) أي ليس عليه حظر فهو مفتوح، فالعطاء غير الإتيان أنه لا جذاذ فيه ولا انقطاع له.
وقال الله الملك: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) فمتى ترضى؟ إذا آتاك شيئاً أم إذا أعطاك بلا انقطاع؟! فحتى يرضيك قال: (يعطيك).
فانظر الآن إلى السورة التي نحن نغرف منها: (إنا أعطيناك الكوثر) فمجرد أن تجمع أعطيناك (بالمعنى الذي جئنا به من أدلة الكتاب) مع الكوثر نكون على أمر عظيم.
فلا يكون كوثراً حتى يكون عطاءً، ولا يكون عطاءً حتى يكون كوثراً!!.
ونذكر مرة أخرى، أن الله جعل الكوثر أقل القرآن، فأقل كلام القرآن عشر كلمات في ثلاث آيات كانت كوثراً، فكأن الله يقول لك: لا تستقل من القرآن شيئاً، ولو ثلاث آيات، ولو عشر كلمات، فقليل الكتاب كوثر لا ينقطع.
فإذا كان من أعطاك أعطاك كوثراً كثيراً ولا يقطع عطاؤه، فبماذا عليك أن تقابل هذا؟!! (فصلّ لربّك وانحر)، فإذا أعطاك ربكَ فصلِّ، ولا تأخذ معنى كلمة (صلِّ) ها هنا بهيئاتها باتجاهٍ إلى القبلة وركوع وسجود وحسب، بل خذ الأمر من جذره كما أخذنا من قبل كلمة كوثر، فأصل الصلاة من (الصّلة).
فإذا كان يفيض عليك بكوثر لا ينقطع فكيف تقطع نفسك بغير "صلاة"؟؟!
فالصلاة مقابل الكوثر الذي لا ينقطع، فالأصل ألا تنقطع.
فالله لا يقطع ما أعطاك من كوثر، وأنت؟!! قابل بها فلا تقطع، وكيف لا تقطع؟؟! صلِّ، تواصل، صِل.
فبما أنه أعطاك بلا انقطاع فالأصل أن تتواصل بلا انقطاع بالصلاة.
قال الله الملك: (فصلِّ لربّك وانحر)
فما هوالنحر؟؟!
النحر هوما تعرفونه من نحرٍ في يوم النحر، فلماذا النحر؟ في الحديث الصحيح في البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، قال: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وفي حديث آخر، قيل ما الإسلام: قال: طيب الكلام، وإطعام الطعام.
فكيف أفاض الله عليك بالكوثر فالمفروض بك أن تمسك أم تعطي؟!! كما قلنا في محاضرة الناقة، عتب الله على ثمود إذ أفاض عليهم رزقه فحجروه ودسّوه في الأرض فأرسل إليهم ناقة تعب الماء ولكنها تعطيه سقاءً خالص، فإذا أعطاك الله لا إله إلا هو فلا تمسك، كما قال الله لنبيه سليمان: (هذا عطاؤنا فامنن أوأمسك بغير حساب)، وكذلك إمساك النبي يكون إمساك بحق على ما وجب عليه.
(إن شانئك…)
أصلها من شنأ، ومن شنآن، أين وردت كلمة (شنآن) في الكتاب العزيز؟؟! وردت في المائدة، لمَ قال الله في سورة المائدة في الآية الثانية: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم…)، وفي نفس السورة قال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، لم قال الله هذا في المائدة وهنا في سورة الكوثر طلب الله أن أنحر على أن الشانئ كان فيها؟!!
الشنأ هو الكلام السيء، وليس هومجرد البغض، فقد يبغض فلانٌ فلاناً ويكتم في قلبه،
















